المقريزي

444

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وعن أبي بكر بن الصّيرفي : كان المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر اللّه تعالى الأشعري ، فحجزهم في أقماع السّماسم . وجملة عقيدته : أنّ اللّه تعالى عالم بعلم ، قادر بقدرة ، حيّ بحياة ، مريد بإرادة ، متكلّم بكلام ، سميع بسمع ، بصير ببصر ، وأنّ صفاته أزليّة قائمة بذاته تعالى ، لا يقال هي هو ولا هي غيره ، ولا لا هي هو ولا غيره ، وعلمه واحد يتعلّق بجميع المعلومات ، وقدرته واحدة تتعلّق بجميع ما يصحّ وجوده ، وإرادته واحدة تتعلّق بجميع ما يقبل الاختصاص ، وكلامه واحد : هو أمر ونهي ، وخبر واستخبار ، ووعد ووعيد . وهذه الوجوه راجعة إلى اعتبارات في كلامه لا إلى نفس الكلام ، والألفاظ المنزّلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء دلالات على الكلام الأزلي . فالمدلول - وهو القرآن المقروء - قديم أزليّ ، والدّلالة - وهي العبارات ، وهي القراءة - مخلوقة محدثة . قال : وفرّق بين القراءة والمقروء ، والتّلاوة والمتلو . كما فرّق بين الذّكر والمذكور ، قال : والكلام معنى قائم بالنّفس ، والعبارة دالّة على ما في النّفس ، وإنّما تسمّى العبارة كلاما مجازا . قال : وأراد اللّه تعالى جميع الكائنات : خيرها وشرّها ونفعها وضرّها . ومال / في كلامه إلى جواز تكليف ما لا يطاق ، لقوله : إنّ الاستطاعة مع الفعل ، وهو مكلّف بالفعل قبله ، وهو غير مستطيع قبله ، على مذهبه ، قال : وجميع أفعال العباد مخلوقة مبدعة من اللّه تعالى ، مكتسبة للعبد ، والكسب عبارة عن الفعل القائم بمحلّ قدرة العبد . قال : والخالق هو اللّه تعالى حقيقة ، لا يشاركه في الخلق غيره ، فأخصّ وصفه هو القدرة والاختراع ، وهذا تفسير اسمه البارئ . قال : وكلّ موجود يصحّ أن يرى ، واللّه تعالى موجود ، فيصحّ أن يرى ، وقد صحّ السّمع بأنّ المؤمنين يرونه في الدّار الأخرى في الكتاب والسّنّة ، ولا يجوز أن يرى في مكان ولا صورة مقابلة واتّصال شعاع ، فإنّ ذلك كلّه محال . وماهيّة الرّؤية له فيها رأيان : أحدهما أنّه علم مخصوص يتعلّق بالوجود دون العدم ، والثاني أنّه إدراك وراء العلم . وأثبت السّمع والبصر صفتين أزليتين ، هما إدراكان وراء العلم . وأثبت اليدين والوجه صفات خبريّة ، وردّ السّمع بها فيجب الاعتراف به . وخالف المعتزلة في الوعد والوعيد ، والسّمع والعقل من كلّ وجه . وقال : الإيمان هو التّصديق بالقلب ، والقول باللّسان . والعمل بالأركان فروع الإيمان : فمن صدّق بالقلب ، أي أقرّ بوحدانية